منتديات المغرب الملكي

موقع و منتديات كل الملكيين و الملكيات بالمغرب الملكي
 
دخولاليوميةالبوابةبحـثالمجموعاتقائمة الاعضاءس .و .جالتسجيلالرئيسية

شاطر | 
 

 حادة و عبث الجسد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الحسين النوحي
عضو جديد
عضو جديد


عدد الرسائل : 32
العمر : 34
النقاط المكتسبة من طرف العضو : 3598
خاصية الشكر : 0
تاريخ التسجيل : 27/01/2007

مُساهمةموضوع: حادة و عبث الجسد   الجمعة 09 فبراير 2007, 09:16

حادة و عبث الجسد



انتظرته كعادتها قرب ذلك المنزل البعيد أسفل الثلة تنظر إلى ساعتها بين الفينة و الأخرى تروح و تجيء و الأفكار تتصارع في ذهنها و تتشابك كأنها ألياف عنكبوت خرافي ضخم كلما احتكت ببعضها أشعلت بركانا مستعرا من الهواجس. تراه هل يفي بوعده معها و يشرعن علاقته بها أم انه سيجعل منها مجرد سحابة صيف عابرة سرعان ما تنجلي عند انتهاء المساء, لا تدري اليوم لما تشعر بتوتر شديد فهي غير مطمئنة لهذا التأخر الإسثتنائي نعم فمن حقه أن يفعل بها ذلك .بل من حقه ألا يأتي مطلقا بعد ما أخذ منها رحيقها المختوم حين استسلمت له دون أن تفكر في العواقب, و كيف لا و قد حلف لها بأيمان مغلظة. كما غرها منه سرعته الفائقة في تنفيذ طلباتها, لسانه الشعر و نظراته توسل و استعطاف و هاهو ذا اليوم يسقط عنه القناع الذي لطالما أخفى به حقيقة نزواته,غربت الشمس و ماتت معها آمالها في عودته عندها تيقنت أن سحرها انقلب عليها وبالا بعد ما فقدت الورقة الرابحة في لعبة أكيد أنها كانت ستخرج منها بزوج يضمن لها كرامة المستقبل, آه الآن أدركت جحيم ذلك الإحباط الذي ينتاب اللاعب حينما يسجل ضد مرماه .
عادت أدراجها من ذلك الممر الضيق الذي تتفرع منه سبل كثيرة فبدت لها أضواء المدينة باهتة باردة شاحبة, مصابيحها كأنها رؤوس بشرية تضحك منها بسخرية, فظنت ذلك الندى المتساقط منها أنها تبصق عليها بشماتة,دخلت إلى مخدع هاتفي فركبت رقما بيد مرتعشة فلم يجبها إلا صوت المجيب الآلي المتكرر, وضعت السماعة بعنف الغاضب فتنبه لها صاحبه فأتبعها سيلا من الشتائم و السباب البذيء, لم ترد عليه لأنه لم يتجاوز الحقيقة فيما نعتها به من أوصاف, نعم لقد أصبحت مجرد مومس تشق طريقها نحو الاحتراف.اقتربت من مشارف الكاريان فانتبهت لشيء قطع حبل تفكيرها متسائلة مع نفسها أين تلك الرائحة التي كانت تشتمها على مشارفه, هاهي ذي الزبالة و لكن أين رائحتها النتنة, إلا أنها سرعان ما تداركت الأمر و قد تسرب إليها يقين قاطع بأن قذارة فعلها أنتن من قذارة المزا بل, بل أصبحت المزبلة نفسها يمكن لأي واحد أيا كان أن يسكب قذارته بها,دخلت المنزل فخلعت جلبابها و ما إن تهالكت على كنبة مهترئة تريح جسدها المنهك حتى مد إليها والدها يده كعادته عند كل مساء مطالبا إياها بجزء من راتبها اليومي الذي تتقاضاه عن عملها كما كانت توهمه ربما ما يحاول هو أن يقنع به نفسه,تلعثمت الفتاة في الكلام و أخبرته بشفاه مرتعشة أن الكلام أخذها مع صاحبتها "أمينة" فلم تنتبه للغروب الذي فاجأها على حين غرة, نزلت عليه كلماتها كالصاعقة فغدا كثور هائج مسعور يكسر كل شيء بالمنزل لم تسلم منه حتى الجماجم الصغيرة المسكينة, ناعتا إياها بأحط الأوصاف و النعوت و هذا كله لأنها لم تعطه ما يمكنه من شراء التبغ و قارورة خمر يعاقرها بشكل بطولي عند رأس الزقاق, فتوعدها مقطبا جبينه مقسما بحق الولي سيدي عبد الرحمان إن لم تعوضه في الغد ليذبحنها بسكين من الوريد حتى الوريد ,أخذت الفتاة تهديداته على محمل الجد فلم تعد تفكر بغدر ذلك الماكر بل فكرها الآن منشغل بالطريقة التي ستحصل بها على النقود التي كانت تنالها بابتسامة عذبة من خليلها الهارب فأمضت ليلتها تفكر في طريقة تعفي رقبتها من الذبح و تعفي والدها من حبل المشنقة.
استيقظت باكرا فلبست جلبابها الرث و رمت على شعرها خمارا أسودا لكن ذلك لم يكن ليمنع جمالها الباهر من الظهور ولفت الانتباه, حملت حقيبتها و هي تمشي على أصابعها حتى لا توقظ أخاها المخمور الذي يسمع دوي شخيره من رأس الدرب, مرت من نفس المسلك الذي ألفت سلوكه فربما قد تصادفه هناك أسفل الثلة فتعفي نفسها رحلة البحث عن الرغيف الحار, نظرت ناحية البيت المهجور فتذكرت كيف استسلمت لمداعباته و حرارة قبلاته التي أفقدتها السيطرة على نفسها شعرت بندم شديد يأكل قلبها غيظا و تحسرا, لكنه سرعان ما طاف بخيالاتها صورة والدها و هو يتجه إليها مسعورا بسكينته اللامعة فأسرعت الخطى نحو المعامل التي وجدتها غاصة بالنساء و الرجال ينتظرون ساعة الفرج, انتظمت معهم في شكل طوابير طويلة و بعد برهة خرج موظف ضخم البنية أسمر السحنة شاربه يلامس شفتيه الغليظتين, خرج من باب صغير يحتضنه باب كبير ينتقي منهم و يصطفي و كأنه أمام بائع الخضار و الفواكه يشير بإصبعه إلى ذاك البئيس الذي ينطلق كالسهم من الفرحة إلا انه يفاجئ بالمسؤول يقف حائلا بينه و بين المدخل وهو يضحك من السخرية بملء شدقيه بدعوى أنه لم يكن المقصود بإشارته, وهكذا أمضى ساعتين ينادي على هذا و يصد ذاك, يتلاعب بهم كما يعبث طفل صغير بعرائس أصغر منه حجم وهيا لا تملك القدرة على الرد على سخريته لأنهم لم يكونوا يملكون غير السكوت خيارا .
لم يحالف الحظ "حادة" ثانية فظلت واقفة كغيرها من المئات تنظر بوجوم إلى ذلك الباب الذي أغلق بإحكام فبدا صريره و كأنه رمح أصاب أملها في مقتل, فكان بذلك أول باب للكسب الحلال يوصد في وجهها, انسلت من بين الأجسام الجاثمة بأعينها على الباب و كأنها أعداد نحل هائلة تحوم حول مرج من الزهور اليانعة, انسلت بصعوبة تمشي على غير هدى وفكرها مشتت بين مطرقة الأب العاطل و الأخ المدمن على حبوب الهلوسة و بين سنديان الفضيحة, فكل شيء ملقى على عاتقها وحدها فاتورة الكهرباء, التبغ, المخدرات بالإضافة إلى الزيت و السكر ووو....و مع ذلك يحتقرونها اشد الاحتقار. فجأة مرت أمامها دراجة نارية انتشلت من يدها محفظتها اليدوية فاختفت سريعا كما يختفي ذلك الدخان المتصاعد إلى السماء, فاستسلمت بعينين طافحتين بالحزن لإرادة القدر متيقنة أن الرزايا عطاء و أنها بدأت تخبط فيها خبط عشواء, لقد أصبحت كسفينة تمخر عباب البحر بدون ربان, تتقاذفها الأمواج هنا و هناك لتتساقط دسرها دسرا تلو الآخر بعد أن نخرها سوس الزمن الغادر.
طرقت أول منزل في طريق عودتها طرقات خجولة مترددة, فتحت ربة البيت الباب و لما صدتها بلطف و لباقة طرقت المنزل المجاور بنفس الإيقاع الذي طرقت به الأول إلا أن هذه المرة خرج إليها رجل متوسط القامة تبدو من ملامحه أنه في عقده الرابع سألته بأدب رفيع متهيب: أ أنتم في حاجة إلى خادمة سيدي ,نظر إليها الرجل نظرات الريبة والإغواء قائلا: بل أنا في حاجة إلى جسدك البض المكتنز إن شئت أغرقتك برزم من النقود تفضلي أيتها الحسناء لتبدلي عنك هذه الأسمال , نظرت إليه باحتقار و بصقت على وجهه وانصرفت في هدوء غير معهود فيها و هي تساءل نفسها لماذا بصقت عليه ألم تنم مع فؤاد قبله متمرغة فوق صدره بجنون عجيب ألم تفقد ما يبرر بصاقها ذاك إذن لماذا لم تنم معه و تحصل على ما تريد دون أن تكلف نفسها هذا العناء, لكن كلا فلم يصل بها الأمر بعد إلى درجة اليأس فربما تضحك لها الدنيا بعد أن نهشت في عرضها بأنيابها الطويلة أو ربما تبدي لها ذلك الوجه الوديع الهين الذي تبديه لأولئك الذين يعبثون بأجساد النساء المحتاجات لأولئك الذين ينتهكون أعراض الناس بنقودهم المتكدسة و سياراتهم الفارهة, لأولئك الذين يمدون اللقمات المسمومة للأفواه الجائعة المتعطشة للعيش الكريم على حساب عرق فروجهم .
اقتربت الشمس من المغيب فأحست أن الأبواب كلها سكرت في وجهها ما عدا باب واحد يلوح لها بابتسامة ساخرة شامتة يخاطب و جدانها مرددا أنت الآن من عليه استعطافي و التمسح ببابي بعد أن سدت الأبواب كلها أمامك في الماضي كنت بالنسبة إليك شبحا ظلاما هلاميا لا شكل له و أنا اليوم يا عزيزتي أنا حقيقة مرة عليك معانقتها ثانية كما عانقتها أسفل الثلة, أنا حقيقة يجب أن تقبليها إن أردت الاستمرار في الحياة فلن ينفعك الهرب ما دام الموت هو بديلي المحتمل .
و بينما هي تتقلب بين أمواج اليأس و الرجاء مترددة بين عالم الفضيلة و عالم الرذيلة توقفت سيارة سوداء طويلة من نوع المرسيديس أشار إليها سائقها بالصعود فخفق قلبها خفقان المشرف على الهلاك و ازدادت حدقتا عينيها اتساعا فالتصقت بالرصيف التصاقا و كأنها تشعر أنه ينتزعها منه انتزاعا فأمست كشجرة تحاول الرسوخ بجذورها عميقا لكن حجارة الرصيف تمنع انسلالها إلى أعماق التربة الندية فظلت حائرة مرة تنظر إلى ساعتها و مرة أخرى تنظر إلى السيارة التي تلح عليها و صورة السكين ما زالت ترعد فرائصها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
محمود الاردن
عضو متميز
عضو متميز


عدد الرسائل : 1572
النقاط المكتسبة من طرف العضو : 3618
خاصية الشكر : 18
تاريخ التسجيل : 07/02/2007

مُساهمةموضوع: رد: حادة و عبث الجسد   الجمعة 09 فبراير 2007, 13:48

يعطيك العافيه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
حوور
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد الرسائل : 244
العمر : 27
Localisation : maroc
النقاط المكتسبة من طرف العضو : 3594
خاصية الشكر : 3
تاريخ التسجيل : 03/02/2007

مُساهمةموضوع: رد: حادة و عبث الجسد   السبت 10 فبراير 2007, 02:34

أخي الكريم الحسين تصوير منك رائع ووصف مطابق لما قد يقع على أرض الواقع أحسنت أختيار الكلمات فأنت مبدع الكلمة
تحيتي لك على القصة المؤثرة جداً
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
حادة و عبث الجسد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات المغرب الملكي :: المنتديات العامة :: المنتدى الثقافي-
انتقل الى: